محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

13

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

لأنه جاهل من كل وجه ، قد يكره الشيء وهو خير له ، ويحب الشيء وهو شر به . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي « 1 » رضي اللّه عنه : « لا تختر من أمرك شيئا ، واختر أن لا تختار ، وفرّ من ذلك المختار ، ومن فرارك ، ومن كل شيء إلى اللّه عز وجل « وربك يخلق ما يشاء ويختار » . ودخل رجل على سيدي أبي العباس المرسي « 2 » ، رضي اللّه عنه ، وهو يتألم لما به ، فقال ذلك الرجل : عافاك اللّه يا سيدي . فسكت ولم يجاوبه ، ثم سكت ذلك الرجل ساعة ، ثم قال : اللّه يعافيك يا سيدي . فقال له الشيخ أبو العباس : « وأنا ما سألت اللّه العافية ؟ ! فقد سألته العافية ، والذي أنا فيه هو العافية ، هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد سأل اللّه العافية وقد قال : ما زالت أكلة خيبر تعاودني ، والآن قد قطعت أبهري ، وهذا سيدنا عمر ، رضي اللّه عنه ، سأل اللّه تعالى العافية ، وبعد ذلك مات مطعونا ، وسيدنا عثمان رضي اللّه عنه ، سأل اللّه تعالى العافية وبعد ذلك مات مذبوحا ، وسيدنا علي رضي اللّه عنه سأل اللّه العافية وبعد ذلك مات مقتولا ، فإذا سألت اللّه العافية فاسأله العافية من حيث يعلمها لك أنها عافية » . اه . فعلى العبد أن يسلم نفسه إلى مولاه ، ويعتقد أن الخيرة له في جميع ما به يتولاه ، وإن خالف ذلك مراده وهواه ، فإذا دعا وطلب من مولاه شيئا يرى أن له فيه مصلحة أيقن بالإجابة لا محالة ، قال اللّه عز وجل : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] . وقال تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] . وعن جابر « 3 » رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ما من أحد يدعو

--> ( 1 ) هو علي بن الشريف عبد اللّه بن عبد الجبار المغربي نور الدين أبو الحسن المالكي رئيس الطريقة الشاذلية المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة . من تصانيفه الاختصاص من الفوائد القرآنية والخواص ، وغيره . ( هدية العارفين 5 / 709 ، والأعلام 4 / 305 ، وطبقات الشعراني 2 / 4 ) . ( 2 ) هو أحمد بن عمر المرسي ( توفي سنة 686 / 1287 م ) أبو العباس شهاب الدين فقيه متصوف من أهل الإسكندرية ، لأهلها فيه اعتقاد كبير إلى اليوم . أصله من مرسية في الأندلس . ( الأعلام 1 / 186 ) . ( 3 ) جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي ، صحابي من المكثرين في الرواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وروى عنه جماعة من الصحابة ، غزا تسع عشرة غزوة ، وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم . روى له البخاري ومسلم وغيرهما 1540 حديثا ، وله « مسند » مما رواه عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل . -